الخميس، 5 أكتوبر 2017

مهرجين الملوك ومؤنسين السلاطين ؟

هم بالدرجة الأولى الفقراء لكن ليسوا كفقراء العامة كلا وأبدا بل الفقراء الذين يمتلكون المواهب المختلفة مثل الغناء والعزف والشعر وحفاظ الحكايات والقصص أي فقراء يمتلكون الموهبة وبسببها أصبحوا أثرياء ... فبمواهبهم كثيرا منهم وصل إلى بلاط السلاطين وقصور الملوك ليؤنسوهم ويصنعوا أوقات ممتعة تدخل السرور في قلوب ولاة الأمور ... تعرفهم من نفاقهم ومن كثرة مجاملاتهم فإن قيل لهم أقيموا الصلاة أقاموها وإن قالوا لهم غنوا وأطربوا شادوا وصدحوا وإن قيل لهم اصمتوا صمتوا ... وطالما أنت تملك السلطة والمال "مجتمعين" فلا يعصون لك أمرا وهم تحت وطوع أمرك متى ما أمرت ؟
من سخرية الأقدار ومن عجائب الزمان أن يظهر مهرجين الملوك أمام العامة بقناع الإحترام والوقار والمتصدقين بالإحسان والفاعلين للخير للناس ... وهم أنفسهم ربما كانوا ليلة البارحة في حمام ممتلئ بالنساء "ربي كما خلقتني" وربما شهدوا قتل نفس أو ظلم رجل أو التخطيط لمؤامرة خسيسة ... هم لا ينطقون لأنهم إن نطقوا طارت رقابهم وزال خيرهم وكشف أمرهم ... إنها خصال اليهود منذ قرون وصفات المنافقين أهل الدرك الأسفل من النار يظنون أنهم يعلمون وهم لا يعلمون وخيّل لأنفسهم أنهم اطلعوا على أسباب الدولة وهم متوهمون ... يتمنى الآلاف من جهلة وسفهاء الرعية أن يكونوا مكانهم ولا يعلمون حقيقتهم الخسيسة ونواياهم الباطلة وضمائرهم الوضيعة ؟

في أيامنا هذه لا يزال هناك مهرجين الملوك ومؤنسين السلاطين ودون ذكر أسمائهم فهذا يقوم بالتمثيل الساخر لضرب أعداء سيده وهذا يغني كيدا بأعداء سيده وهذا يشعر شعرا طعنا بأعداء سيده ... والحقيقة إن زال حكم سيدهم سيخرج كما خرج قبلهم من الأفاقين والدجالين والمنافقين يتباكون وسيقولون قولهم الشهير المعتاد : لقد كنا تحت حكم طاغية فمن كان يجرؤ أن يقول للطغاة ( لا ) ... انظر كيف ردودهم جاهزة كما اعتاد أسلافهم من السفلة يسوقونها على العامة فيصدقون حجتهم من شدة جهلهم ... ونسوا أو تناسوا أن هؤلاء المهرجين فعلوا المستحيل حتى يصلوا بأرجلهم إلى بلاط السلاطين وقصور الحكم لينالهم من فضلة سيدهم ولو الشيء القليل ؟ 

إسماعيل بن القاسم بن سويد العيني الملقب بأبو العتاهية شاهر من دهاة الشعر العربي الفصيح وأشهر من ذاع صيته في العهد العباسي ... ولد في كربلاء في منطقة "عين التمر" 130هـ - 747م ثم انتقل إلى الكوفة وعمل "طيانا" يصنع الطين ويبيع الفخار ثم انتقل إلى بغداد وتعلم الشعر والتاريخ وبرع في الشعر فيروي هذه الحكاية ويقول
 زهدت وتنسّكت وأقبلت على الله فامتنعت عن قول الشعر وكنت شاعر الخليفة العباسي "هارون الرشيد" فأنذرني فأبيت فأُخذت من بيتي وأُلقي بي في السجن فنظرت حولي إلى المساجين والمنسيين هناك ومنهم من يبكي واليائس الصامت ومن يندب حظه علناً ... وبينهم رجل نظيف وقور هادئ فجلست بجانبه أفكر فيما أصابني فقال الرجل فجأة
تعوّدت مسّ الضر حتى ألفته
وأسلمني حسن العزاء إلى الصبرِ
وسيّرني يأسي من الناس واثقاً
بحسن صنيع الله من حيث لا أدري
فأعجبني بيتيّ الشِعر فقلت له : هلا تتفضل أعزّك الله بإعادة هذين البيتين ؟
قال : ويحك ما أسوأ أدبك جلست بجانبي ولم تسلّم بتسليم المسلم على المسلم ولا توجعت لي توجع المبتلي للمبتلي ولا سألتني مسألة الوارد على المقيم حتى سمعت مني بيتين من الشعر فاستنشدتني إياهما ؟!!!؟
أبو العتاهية : فاعتذرت منه وأخبرته مصابي .
فنظر إلي باستنكار وقال : وفي أي شيء أنت ؟ إنما تركت قول الشعر وهو جاهك عندهم فحبسوك حتى تقوله ولابد أنك ستقوله لاحقاً فتطلق وتعود إلى بيتك أما أنا فيطالبونني بأن أدلهم على "عيسى بن زيد بن علي بن الحسين" فإن دللتهم عليه لقيت الله بدمه وخصمي رسول الله فيه وإن لم أدلهم قتلوني فكما ترى أنا أولى بالحيرة واليأس منك وأنت ترى صبري واحتسابي .
أبو العتاهية : فخفضت رأسي خجلاً منه .
فقال : لا أجمع عليك التوبيخ والمنع .
وأعادهما علي حتى قاطعه صراخ الجند بإسمي واسمه فقمنا فجرونا جراً إلى الخليفة حتى وقفنا بين يديه فقال بلا أن ينظر إلينا : أين عيسى بن زيد ؟
فأجابه الرجل : وما يدريني هو هارب وأنا محبوس فكيف يعرف محبوس بمكان الهارب ؟
فقال : لتدلني عليه أو لأضربن عنقك .
فقال : اصنع ما بدا لك .
فضربت عنقه فتوجمت أنظر إليه وإلى رأسه المقطوع ودمائه !!!
فقال الخليفة لي : أتقول الشعر أم ألحقك به ؟
فبينما أنا واجم مذهول رددت بيتي الشِعر الذي قالها الرجل :
تعوّدت مسّ الضر حتى ألفته
وأسلمني حسن العزاء إلى الصبرِ
وسيّرني يأسي من الناس واثقاً
بحسن صنيع الله من حيث لا أدري
فاستحسن الشِعر الخليفة وقال : أطلقوه .
إن كان مهرجين الماضي شهدت عليهم ما كتب عنهم وما خطت يداهم فما بال مهرجين اليوم لا يدركون أن زمانهم يسجل ويوثق صوت وصورة فيدوهات وتسجيلات سوى أنهم سفهاء غرتهم أموال الباطل وشهرة المرضى ... الأيام دول يا هذا ؟




دمتم بود ...



وسعوا صدوركم