الاثنين، 5 أغسطس، 2013

تقرير لجنة تقصي الحقائق عن أسباب الغزو العراقي .. 2


وأفاد السيد/ ضاري العثمان وزير العدل والشؤون القانونية آنذاك : أنا أعتقد عدوان من هالنوع لا يمكن بأي حال من الأحوال من خلال فهمي المحدود بطبيعة الأعمال العسكرية بأن يواجه من قبل الكويت والقوات المسلحة الكويتية وحتى السعودية يعني القوة العراقية لا يمكن مجابهتها من قبل الكويت ولا حتى من قبل المملكة العربية السعودية .... إننا نحن مهما حاولنا نجهز قواتنا فراح تكون النتيجة بالنسبة للكويت مكلفة وباهظة وقاسية جدا
لو هيئت القوات الكويتية لتتوقع هجوما محتملا من العراق آخذا بالاعتبار الوضع الجغرافي للعراق والكثافة السكانية لها والوضع الجغرافي للكويت والكثافة السكانية لها لما كان هناك صمود أكثر من خمسة أيام هذا في حالة إذا كانت الجاهزية الكويتية عالية .. أنا شخصيا بالرغم من أنني كنت من أكثر المتشائمين وممن كانوا يتوقعون أن العراق سيتجاوز الحد المألوف بالنزاعات الحدودية بس مع ذلك لو قالوا لي والله تتخذ قرارا باستدعاء القوات الأمريكية أنا سأقول لا لأنه مو معقول أن كل هذا التراث من العلاقات سينسف بين ليلة وضحاها ويقدم العراق على ما أقدم عليه الخيار العسكري ما كان واردا إطلاقا كان الخيار الوحيد في ذلك هو الخيار السياسي والخيار السياسي ضمن جامعة الدول العربية . 
أفاد السيد/ عبدالرحمن العوضي وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء آنذاك : «يا معود خلو الموضوع لا تصعدونه حتى جيشنا المسكين كان محكورا في معسكرات حتى ما أعطي فرصة إنه يكون في حالة هجوم وجيشنا أعطى إجازة ... لأن القرار كان سياسيا ولم يكن قرارا عسكريا ... القرار السياسي كان رافضا مبدأ الحرب مو قابل أن الحرب واقع . 
وأفاد السيد/ سليمان ماجد الشاهين وكيل وزارة الخارجية : «في وزارة الخارجية لم يطرأ حديث عن الاستعانة على الأجنبي وكان التركيز على الاستعانة بالجامعة العربية وكان أسبق من هذا الرأي هو حل هذا الإشكال حل سياسي .. أنا في تصوري أن لو الكويت بادرت وطلبت من فرنسا والصين وغيرها بهذه القوات لكان مبرر واضح للعراق بأن والله جابوا لنا استعمار .. يعني الحكومة لو أقدمت على هذا العمل لخلق انشقاق كبير ليس داخل المجتمع الكويتي لكن حتى ضمن أوساطك الخليجية والعربية
أنت نفسك كدولة لا يمكن أبدا بأي شكل من الأشكال أن تمتلك قوة رادعة للعراق لأن ذلك الوقت مليون تحت السلاح ونصف مليون مستعدين للقتال جيشك في ذلك الوقت وكما يؤكد لي ليلة صباح الخميس اللواء الصانع أن ما يتجاوز 7 - 8 آلاف».
وبهذا المعنى أيضا أفاد أمام اللجنة كل من السيد/ عبدالرحمن سالم العتيقي مستشار سمو الأمير والسيد/ عبدالله يوسف الغنيم وزير التربية آنذاك ؟ فاستبعاد الخيار العسكري كان إذن قرارا سياسيا (كلنا مخطئون ما في أحد بريء )  هكذا قال السيد/ ضاري العثمان أمام اللجنة : «إذا أردنا أن نمارس التقييم الأمين والموضوعي والتاريخي والمجرد فعلينا أن لا نبدأ بــ 2/8 حيث كنا حلقة من حلقات مسلسل مرعب بدأ من وقت ما تسلم صدام حسين السلطة بدأ من وقت ما كنا نروج أشرطة صدام حسين لما كان يقوم هذيله ويعدمهم وكنا إحنا نستانس هذي الحقيقة فلذلك لما تجيب مسئول سنة 1990م لا تنسى أنه تربى 12 سنة أو أكثر أو أقل في ظل المدرسة الأخلاقية التي أوجدها صدام حسين بالمنطقة هذه الحقيقة » ويبدو أن الحكومة الأميركية قد عرضت على الكويت المساعدة العسكرية وهو ما أفاد به سعود الصباح سفير الكويت لدى الولايات المتحدة الأميركية آنذاك فقد جاء بأقواله ما يلي :

«كنت على اتصال دائم مع وزارة الخارجية الأميركية مع الاستخبارات الأميركية مع البيت الأبيض ومع وزارة الدفاع حول هذه الأمور وأقولها بكل أمانة بأن جميع هذه الأجهزة كانوا يطلعوني أولا بأول بكل ما يحدث من تصعيد ومن حشود عراقية على الحدود التي تلت تقديم هذه المذكرة وكنت على اتصال دائم مع حكومتي في هذا الموضوع»
«وكانوا الاميركان على استعداد وعرضوا علينا كما عرضوا على الإمارات ، لو تذكرون بأن التهديد كان موجه ضدنا وضد الإمارات بأن قوات 87 جاهزة للانتقال للكويت طبعا تقييم الإخوان والمسئولين في الكويت بأن هذا الموضوع فيه نوع من المخاطرة السياسية لأننا لا نستطيع أن نستدعي قوات أميركية في هذه الظروف لوجود تأكيدات عربية وفيه رأي عام كويتي ، هذا الأمر يحتاج إلى نوع من التريث ومزيد من التشاور»

(( إحنا أي الاميركان  كأصدقاء وحلفاء لكم مستعدين بإرسال قوات إلى الكويت فورا ))
لكن أحب أن أؤكد شيئا واحدا ( أن الاميركان عرضوا علينا إرسال قوات ولكن إحنا بالظروف اللي كنا فيها يمكن ما كنا نستطيع أن نقبل فيها )
«أنا أي مساعد وزير الدفاع لشؤون التخطيط بول ولفوبش – ليس سياسي (أنا مخطط عسكري ، وإحنا نشوف الوضع العسكري القائم على الخريطة أمامنا الوضع العسكري لا يبشر بخير ولذلك يجب أن تتخذوا التدابير اللازمة عربيا أو إذا أردتم نحن حاضرون) 
ويضيف سعود الصباح أن دولة الإمارات العربية المتحدة قبلت إرسال قوات إليها وان تكن رمزية ويبدو أن ذلك صحيحا :
ففي 25/7/1990م أعلن البيت الأبيض أن الولايات المتحدة أرسلت طائرتين قادرتين على تزويد الوقود جوا (طائرتي صهاريج» إلى الإمارات وفي 31/7/1990م أثناء جلسة استماع اللجنة الفرعية لأوروبا والشرق الأوسط التابعة للجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأميركي قال جون كيلي (وزير الخارجية المساعد لشؤون الشرق الأدنى وجنوب آسيا) : « يجري حاليا في الخليج تدريبات على إعادة التزود بالوقود جوا مع دولة الإمارات العربية ويتضمن ذلك استخدام ناقلات 135. kc وطائرتي شحن 141- c مزودة بمعدات للصيانة وقد جاءت تلك التدريبات بعد مناقشات بين الحكومتين ترمي كذلك للتأكيد على أننا نملك القدرة على العمل الفعال مع أصدقائنا في المنطقة .

وفي 1/8/1990م نشرت جريدة الواشنطن بوست الأميركية أن جون كيلي أضاف أن الولايات المتحدة مستمرة في تدريباتها الجوية المشتركة مع الإمارات وقد نفى كل من الشيخ صباح الأحمد وزير الخارجية وسليمان ماجد الشاهين وكيل وزارة الخارجية وجود مثل هذا العرض الأميركي وأضافا انه ليس من المستبعد أن يكون سفير الكويت لدى الولايات المتحدة الأميركية (الشيخ سعود الصباح) قد نقل هذا العرض إلى مستويات اعلي بالنظر إلى أهميته 
فقد أفاد الشيخ صباح الأحمد : (لم يقدم عرض أميركي في هذا الموضوع حتى نرفضه ... لم يعرض علينا هذا الموضوع ولا اذكره في حياتي أن عرضوا علينا الموضوع .. لكن لسؤالك لم يطلب الاميركان فرقة ونحن قلنا لا ... يمكن أشياء تتصل بين السفير وسمو ولي العهد وأنا مشغول في زحمة العمل يمكن ما يكون لي علم في الموضوع هذا)

وأفاد سليمان ماجد الشاهين وكيل وزارة الخارجية : «من جانبنا لم يحدث رسميا حسب علمي كوزارة الخارجية بأن نقترب من الاميركان أو أي دول أخرى ... لم يطرأ حديث على الاستعانة على الأجنبي وكان التركيز على الاستعانة بالجامعة العربية ، لم يكن هناك على الأقل بوزارة الخارجية ما يشير إلى مثل هذه الاتصالات بشأن إجراء ترتيبات مع الولايات المتحدة » ، وعند سؤاله : (ما وصلكم طلب من أميركا ، من السفير ، عرض) ، أجاب : ( من زاويتي ولم اسمع أيضا حتى على مستوى اكبر أو من خلال وزارة الدفاع ، لم تتوفر لي أي معلومة ... لم يكن هناك أي عرض حول الموضوع ... لم يكن هناك أي تفكير أو عرض من الولايات المتحدة أو الدول الكبرى لتدخل في هذا الشأن)

ثالثا : ذرائع الغزو العراقي والرد عليها 
يجب أن نفرق بين الأسباب الكامنة التي دفعت بالنظام العراقي إلى غزو الكويت في2/8/1990م وبين التبريرات أو الذرائع التي قدمها للعالم الخارجي العربي والأجنبي لمحاولة تبرير فعلته الشنعاء والأسباب الحقيقية التي تكمن وراء الغزو العراقي الغاشم كثيرة، منها الأوضاع الاقتصادية المتردية داخل العراق على اثر الحرب العراقية الإيرانية وتعذر اندماج القوة العسكرية البشرية في المجتمع المدني بسبب طبيعة نظام الحكام في العراق وهو حكم شمولي يعتمد أساسا على القوة العسكرية .

أما ذرائع العراق أو تبريراته للغزو الغاشم فيمكن تلخيصها في ادعائين :
1- تجاوز الكويت لحقوقها في حقل الرميلة / الرتقة
2- دور الكويت في انخفاض أسعار النفط

أ- حقل الرميلة / الرتقة :
ورد في مذكرة وزير خارجية العراق المؤرخة 15/7/1990م والموجهة إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية أن الكويت (نصبت منذ عام 1980م منشآت نفطية على الجزء الجنوبي من حقل الرميلة العراقي، وصارت سحب النفط منه، ويتضح من ذلك أنها كانت تغرق السوق العالمي بالنفط الذي كان جزءا منه هو النفط الذي تسرقه من حقل الرميلة فقط بين 1980 – 1990، 2400 مليون دولار)
ورد وزير الخارجية الكويتي بأنه : «لا بد من التأكيد بأن هذا الجزء من الحقل يقع ضمن الأراضي الكويتية، وعليه قامت الكويت باستخراج النفط من آبار تقع ضمن أراضيها جنوب خط الجامعة العربية وعلى مسافة كافية من الحدود الدولية وفقا للمقاييس العالمية». وتفصيل ذلك أن الله سبحانه وتعالى عندما وزع الثروات الطبيعية على البسيطة (سواء كانت انهاراً أم بحيرات أم حقول نفط) لم يوزعها على أساس الحدود السياسية الموجودة اليوم أو الحدود السياسية التي كانت موجودة بالسابق أو الحدود السياسية التي سوف توجد في المستقبل فالأنهار تجري في أكثر من بلد، والبحيرات تشارك فيها أكثر من دولة وليس بمستغرب بالنسبة إلى الحقول النفطية أن يمتد الحقل ويغطي أكثر من بلد .. وحقل الرميلة الرتقة مثال على تلك فهو حقل مشترك بين الكويت والعراق، ويسمى في الجانب العراقي حقل الرميلة ويسمى في الجانب الكويتي حقل الرتقة وعندما يمتد حقل بين أكثر من دولة، فالأسلوب المتبع عادة في استغلال الحقل، هو أن تبعد كل دولة عن الحدود بمسافة كيلو متر وتحفر كما يحلو لها . 
وقد بدأت الكويت عمليات الاستكشاف في حقل الرتقة الواقع في أراضيها في سنة 1967م ثم توقف الحفر اثر احتجاج العراق ودرءا للاحتكاك والخلاف بين الدولتين .. ثم لاحظت الكويت في 1977م أن العراق بدأ في الحفر في حقل الرميلة متجها تدريجيا نحو الحدود الكويتية إلى أن بلغها وتجاوزها بمسافة تزيد على الكيلو متر. وعلى اثر ذلك اتخذ مجلس الوزراء قرارا في سنة 1977م ببدء الحفر في حقل الرتقة الكويتي ، وذلك حتى لا يستنزف الحقل من قبل الجانب العراقي، ولوضع حد لتجاوزات العراق وحتى لا يتجه أكثر فأكثر نحو الجنوب داخل الأراضي الكويتية . 
وبدأ الإنتاج في نهاية سنة 1977م وبداية سنة 1978م ومجموع الآبار التي حفرتها الكويت ثمانية آبار (بالمقابل لمئات الآبار في الجانب العراقي) ، وهي تبعد مسافة من 2 إلى 2.5 كيلو متر داخل الحدود السياسية المعترف بها في اتفاق سنة 1963م. وكان إنتاجها في البداية في حدود 20 ألف برميل يوميا ثم انخفض إلى معدل 11 إلى 12 ألف برميل يوميا، وهي كميات قليلة جداً كانت تستخرجها الكويت من باب إثبات الحق، فضلا عن أن النفط المستخرج من حقل الرتقة رديء النوع (ثقيل وكمية الكبريت فيه مرتفعة ) وكان العراق يعرف كل ذلك ولم يحتج عليه، ولما تم ترسيم الحدود ظهر أن جميع الآبار التي حفرتها الكويت تدخل ضمن الأراضي الكويتية، بل دخلت ضمنها أيضا بعض الآبار العراقية رغم أنها تقع شمال الآبار الكويتية بمسافة من 1.5 إلى 2 كيلو متر. ويلاحظ كذلك أن حقل الرميلة جزؤه الأكبر يقع في العراق وجزء بسيط منه يقع داخل الحدود الكويتية (الرتقة) وميلان الأرض تجاه الكويت لا يساعدها على زيادة الإنتاج لأن النفط في هذا الحقل (الرميلة / الرتقة) لا يوجد بصورة سائلة ولكن في مسام التربة لذلك كانت كمية الضخ من الجانب العراقي أكثر من مائة ضعف بالنسبة إلى كمية الضخ من الجانب الكويتي .
(من أقوال علي الخليفة ورشيد العميري أمام اللجنة) 
بل إن البعض يرى أن حقل الرميلة يختلف تماما عن حقل الرتقة ، وهو ما أكده الجيولوجيون في دراسات مختلفة، كما أن نوع البترول المستخرج من الرتقة يختلف عن نوع البترول المستخرج من حقل الرميلة (تعقيب الدكتور عبدالله محارب على ورقة الدكتور عبدالمالك التميمي – العلاقات الكويتية العراقية 1921م – 1990م – دراسة تاريخية – عالم المعرفة – العدد 195 – ص 79)

ب- أسعار النفط : 
كان من بين ما ورد في مذكرة وزير خارجية العراق إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية، والمؤرخة 15/7/1990م أن حكومتي كل من الكويت والإمارات العربية المتحدة نفذ ( عملية مدبرة لإغراق سوق النفط بمزيد من الإنتاج خارج حصتهما المقررة في الأوبك ... وقد أدت هذه السياسة المدبرة إلى تدهور أسعار النفط تدهورا خطيرا ... أدت تصرفات حكومتي الكويت والإمارات إلى انهيار سعر الحد الأدنى المتواضع الذي تم الاتفاق عليه في الأوبك أخيرا وهو 18 دولارا للبرميل إلى ما بين 11-12 دولارا للبرميل ... مما يعني خسارة العراق لعدة مليارات من دخله لهذه السنة (1990م) .. إن من تعمد هذه السياسة بصورة مباشرة ومكشوفة أو من آزرها أو دافع عنها ، إنما ينفذ جزءا من المخطط الامبريالي الصهيوني ضد العراق والأمة العربية )

واتهام العراق للكويت بالعمل على تدهور أسعار النفط لم يكن وليد هذه المذكرة. فقد ذكر رشيد العميري وزير النفط الكويتي آنذاك انه في 10/11/1990م عقد اجتماع في جدة حضره وزراء النفط في العراق والمملكة العربية السعودية والإمارات وقطر ، وفوجئ الوزير الكويتي بهجوم من قبل نظيره العراقي الذي قال : ( أنا قاعد أتكلم عن سياسة الكويت النفطية خلال 12 سنة الماضية ، هذه السياسة هي التي دمرت السوق النفطية ، وان الكويت لم تلتزم خلال الفترة هذه بحصتها، وأنا اعتقد أن هذه هي مؤامرة ضد العراق ... إن العراق لن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذه المؤامرة ) .

والحقيقة في هذا الموضوع ما يلي :
1- أن الكويت كانت دائما تضحي في سبيل استقرار أسعار النفط، ففي اجتماع أوبك في 2-3/5/1990م تم تخفيض سقف أوبك بمقدار 445 ألف برميل للعمل على استقرار السوق النفطية وقد  تحملت الكويت والسعودية والإمارات 75642 تقريبا من إجمالي هذا التخفيض وقبلت الكويت ذلك مع وعد باستعادة حصتها عندما يستقر السوق وترتفع الأسعار .

2- في 24/6/1990م زار الكويت صادق بوسني وزير النفط الجزائري رئيس منظمة الأوبك آنذاك (وكان مقررا عقد اجتماع في الجزائر في 4/7/1990م يضم وزراء النفط في الكويت واندونيسيا والجزائر للنظر في إمكانية زيادة حصة الكويت) ، وطلب وزير النفط الجزائري من نظيره الكويتي (رشيد العميري) إرجاء طلب الكويت استعادة حصتها وعدم إثارة هذا الموضوع في اجتماع الجزائر المزمع عقده، واستجابت الكويت لهذا الطلب من اجل استقرار السوق وبهدف رفع أسعار النفط .

 3- أن عشر دول من دول الأوبك لم تكن ملتزمة بحصتها وثلاث دول فقط من دول المنظمة كانت ملتزمة بحصتها، وهي الجزائر والإكوادور واندونيسيا. ولم يكن ذلك إلا لأنها لا تملك طاقة إنتاجية اكبر، أي إن الالتزام بالنسبة لها كان قهريا .

4- إن سبب إصرار العراق على رفع الأسعار انه كان قد وصل إلى طاقته الإنتاجية القصوى، وما دام انه لا يستطيع زيادة الإنتاج، فالحل الوحيد إمامه لزيادة موارده هو أن يرتفع سعر النفط. وهو ما دفع العراق إلى أن يطلب في اجتماع أوبك في جنيف في25/7/1990م العمل على رفع سعر سلة أوبك إلى 25 دولارا للبرميل الواحد (وهو السعر الذي كان يكفل للعراق تغطية فوائد ديونه الخارجية التي بلغت 7 بلايين دولار سنويا) ، وكان السعر آنذاك حوالي 15-16 دولارا للبرميل. والوسيلة غير المباشرة التي كان يلجأ إليها العراق لرفع السعر هو الضغط على الدول الأخرى الأعضاء في منظمة الأوبك لخفض إنتاجها .

5- في فترة التسعينات كانت تجاوزات العراق لحصته تزيد أكثر من مرتين على أي تجاوزات كويتية . كانت حصة العراق في السوق اكبر مما يستحق ، وكان ينتج أكثر من طاقته الإنتاجية الحقيقية ، بل كان يبيع المخزون في التنكات (الذي يبلغ 20 إلى 30 مليون برميل) وبأي أسعار ، وكان ذلك منه أمرا طبيعيا لمواجهة نفقاته الاستثنائية في ذلك الوقت .

من أقوال علي الخليفة ، رشيد العميري (أمام اللجنة )

الوضع الكويتي الداخلي قبيل الغزو

أ- الاختراق الإعلامي :
أفاد يوسف السميط مدير عام وكالة الأنباء الكويتية (كونا) بأنه: « وللأسف كان هناك اختراق لكثير من المؤسسات الإعلامية ومكاتب الوكالة من قبل تنظيمات عراقية وأردنية ، والأحكام الجنائية التي صدرت بحق مراسلينا في بعض المكاتب توضح ذلك »
وأفاد حمد الرومي وكيل وزارة الإعلام آنذاك : وللأسف كان الإعلام العراقي مسيطرا سيطرة تامة على معظم الصحف المحلية لدرجة أن الملحق الإعلامي بالسفارة العراقية بالكويت حامد الملا كان يداوم في بعض الصحف يوميا ، وكانت بعض المقالات ترسل من وزير الإعلام العراقي ، وللأسف تتصدر الصفحات الأولى لبعض الصحف المحلية ، وكان يقدم هدايا مغرية ، وسبق أن نبهنا وزارة الخارجية لنشاطه أكثر من مرة ، وكان الرد يأتي بتهدئة الأوضاع .

ويقول السيد سليمان ماجد الشاهين وكيل وزارة الخارجية: «ألا يمكن للصحافة التي ارتهنت تقريبا كلها للإعلام العراقي من خلال رشاوى ومن خلال شراء صحف وتوزيع وكل الوسائل ... اذكر قبل الاجتياح طلبت من السفير العراقي لأن جاءونا مجموعة من الإخوان الأدباء وقالوا لنا ما يمر ست أسابيع أو شهر إلا دعينا إلى مؤتمر في العراق ، ووصلنا إلى حد والله قاعدين يزالون علينا ضغوط، إذا تعذر علينا حضورنا اتهمونا بالعمالة إلى إيران، والتالي جاؤوا وبلغوا الشيخ صباح هذا الموضوع .

ويظهر من ذلك : 
1- كان هناك اختراق لكثير من المؤسسات الإعلامية ومكاتب وكالة الأنباء الكويتية (كونا) من قبل تنظيمات عراقية وأردنية، رغم سلامة وإخلاص أصحاب ومديري هذه المؤسسات .
2- كان الإعلام الكويتي يكيل المديح للعراق ويحول أخطاؤه إلى انتصارات وايجابيات في المواقف الداخلية والخارجية


الاختراق الأمني 
كان العراق يعرف كل شيء عن الكويت وعن تحركاتها وتصرفاتها وذلك عن طريق عناصر تعمل داخل الكويت تحت علم السفارة العراقية وبصفتها الدبلوماسية وساعد في ذلك أنه في فترة الحرب العراقية الإيرانية أعطت الكويت العراق تسهيلات أرضية (في الشعيبة والأحمدي) لاستقبال السلاح لدعم الجبهة العراقية. واستمرت هذه التسهيلات بعد توقف الحرب. فاستغل العراق هذه التسهيلات لإدخال عناصر إلى الكويت دون المرور بسفارة أو قنصلية الكويت لدى العراق، وهذه العناصر كانت استخباراتية وليس عسكرية، وكانت في صورة مجموعات تتغير على فترات لتحل مجموعة جديدة محل المجموعة السابقة، وسكتت الكويت على ذلك ولم تعترض.

ولعل أوضح مثال للاختراق الأمني ما ذكره السيد رشيد العميري وزير النفط السابق من انه عقد اجتماعا سريا مع هشام ناظر وزير النفط السعودي في فندق ريجنسي بالكويت بتاريخ1990/6/28م. وبعد انتهاء الاجتماع غادر هشام ناظر متوجها إلى بغداد، فوجد أن المسؤولين العراقيين لديهم جميع تفصيلات هذا الاجتماع السري :

«هذا الاجتماع كان غير معلن وسري ولم تتناوله وكالات الأنباء والصحافة، وقعد معاي حوالي6 ساعات وسافر إلى بغداد. بعد الغزو وخلال وجودنا في السعودية رحت بزيارة ودية لهشام ناظر في البيت، وقال لي دكتور الحقيقة أنا عندي تساؤل، قلت تفضل، قال تذكر اجتماعنا في الكويت(ريجنسي)، العجيب عندما ذهبت إلى بغداد وإذا بجميع تفاصيل الاتفاق بيني وبينك كانت موجودة عند وزير النفط العراقي، كيف وصلت المعلومات هذه....
بس نحن الحقيقة كنا مخترقين، بأن تفاصيل الاجتماع هذا وصلت، اشلون وصلت ما استطيع ان أجاوب عليه.... كل تفاصيل آبارنا وإنتاجها ووضعها كانت معلومة لدى العراقيين من خلال الموظفين سواء كانوا من العراقيين أو الفلسطينيين أو من الناس المتعاونين مع النظام العراقي، كانوا ينقلون لهم أول بأول، فنحن كنا مخترقين .

ويضيف السيد إبراهيم البحوه سفير الكويت لدى العراق آنذاك: «أنهم (أي العراقيين) يعرفون كل دبيب حركة من حركاتنا ومن اتصالاتنا، العناصر التي كانت تعمل في الكويت تحت علم السفارة وبحكم أنها دبلوماسية كانت عناصر أمنية.... كانت العناصر التي تعمل في الجانب العراقي تدخل (الكويت) مباشرة دون المرور على السفارة الكويتية أو القنصلية لأخذ الفيزا، الاستخبارات العسكرية (العراقية) تبعث مندوب بقائمة تقول أن هؤلاء سوف يحلون محل المجموعة التي كانت في الشهر الماضي، طبعا رتب وأسماء لا نعرف هل هم حقا ما يقولون
و فوجئت بأن المذكرات تأتي لي من الاستخبارات العسكرية العراقية، ولا يفترض بالدبلوماسية أن تتعامل مع الجانب العسكري... فطلبت الخارجية العراقية وقلت لهم إن هذا الشيء لابد أن ينظم بالأسلوب والعرف المتبع، فقال لي ماذا تريد، فقلت أريد أن تأتي مذكرات الفيزا عن طريق وزارة الخارجية، ظل يماطل إلى فترة، ثم قالوا لي هذا اتفاق بيننا قبل أن تتولى أنت هذه المهمة، والاتفاق قائم في ظروف الحرب وسوف يستمر، واعتقد أن وجهة النظر الكويتية كانت مطابقة لهذا الرد واستمر هذا الشيء .

ج- الأوضاع السياسية في الكويت في1990/8/2م 
بتاريخ 3 يوليو1986 م صدر أمر أميري بحل مجلس الأمة مع تعطيل بعض مواد الدستور ، ومن بينها المادة 107 التي توجب إجراء الانتخابات العامة للمجلس الجديد في ميعاد لا يتجاوز شهرين من تاريخ الحل ومنذ هذا التاريخ باشرت الحكومة الوظيفتين التشريعية والتنفيذية في آن واحد ، وكانت تصدر القوانين بمراسيم أميرية ، وقد تقبل الشعب الكويتي على مضض هذه المرحلة الجديدة التي تتنافى مع تقاليده الأصيلة في حكم الشورى ، ولا سيما أن حل مجلس الأمة اقترن بفرض الرقابة المسبقة على جميع الصحف ،وبصلاحية الحكومة في تعطيل الصحف بالطريق الإداري أي بقرارات من مجلس الوزراء أو وزير الإعلام ، وهكذا اختفى الرأي الآخر ، وضاع أسلوب الحوار ، وحرم الشعب الكويتي من أي وسيلة لمراقبة السلطة التنفيذية أو متابعتها أو مساءلتها ، حتى بالكلمة المكتوبة ، بعد أن سيطرت الحكومة على كل وسائل التوجيه والإعلام المرئية والمكتوبة والمقروءة

غير انه سرعان ما بدأ الوعي السياسي في النهوض من خلال الدواوين التي اشتهرت بها الكويت وانفردت بها كظاهرة اجتماعية فكانت هي أمكنة التحاور والتشاور وتبادل الرأي بين المواطنين ، ثم ظهرت البيانات السياسية للمطالبة بعودة الحياة الدستورية ، وبدأت الاجتماعات التي عرفت بدواوين الاثنين ، في أواخر سنة 1989 وأوائل سنة1990 تطالب بإعادة العمل بالدستور وعودة مجلس الأمة وفي22 ابريل 1990م صدر أمر أميري بإنشاء المجلس الوطني ، وهو مجلس استشاري يتكون من خمسين عضوا منتخبا وخمسة وعشرين عضوا تعينهم الحكومة وصحب ذلك كم من الصراعات والاعتقالات ، مما دعا القيادة العراقية إلى الاعتقاد بانشطار الجبهة الداخلية ، وان المعارضة الكويتية سوف تحسن استقبال القوات الغازية ، ولعل هذا هو ما أوحى للقيادة العراقية أن تعلن في أيام الاجتياح الأولى انه قد كانت هناك ثورة شعبية في الكويت وان هذه الثورة قد طلبت الدعم من العراق

وفات النظام العراقي أن الشعب الكويتي يتمسك دائما بثوابت لا يحيد عنها ، واهم هذه الثوابت استقلال الدولة وشرعية الأسرة الحاكمة ، ورغم الأزمات التي مرت بها الكويت منذ نشأتها ككيان سياسي في منتصف القرن الثامن عشر ، ورغم أوجه الاختلاف في الرأي الذي صاحب مسيرتها ، وبصورة خاصة مع بداية القرن العشرين ،
لم يحدث أن كانت شرعية الأسرة الحاكمة محل نقاش أو خلاف ، وقد أكد ذلك الغزو العراقي الآثم حيث التف الشعب الكويتي حول قيادته واصدر ممثلوه بيان مؤتمر جدة الشهير في 15 اكتوبر1990م الذي جاء به : (نعلن للعالم اجمع تمسكنا بنظام الحكم الذي اختاره شعبنا منذ نشأته وارتضته أجياله المتعاقبة ، وتؤكد وقوف الشعب الكويتي كله ، رجالا ونساء وشيوخا وشبابا وأطفالا ، صفا واحدا خلف قيادتنا الشرعية ممثلة في أميرنا الشيخ جابر الأحمد الصباح وولي عهده الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح حفظهما الله)

ولا ترى اللجنة رأي سمو ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء انه مما شجع النظام العراقي على غزو الكويت زيارة بعض المواطنين لبغداد قبل1990/7/17 فبفرض أن النظام العراقي قد قرأ هذه الزيارات قراءة خاطئة ، فان موقف جميع المواطنين بعد 1990/7/17 كان كفيلا بانقشاع الغشاوة عن بصره وبصيرته ، فضلا عن أن الحكومة وسفارة الكويت لدى بغداد كانتا على علم كامل بهذه الزيارات ، بل وشاركت فيها

خامسا : الأوضاع الاقتصادية والعسكرية في العراق عشية1990/8/2م هل كانت تنبئ بالغزو العراقي : 
خرج العراق من حربه مع إيران كأقوى قوة عسكرية في المنطقة: 55 فرقة - مليون جندي - 500 طائرة - 550 دبابة ، ولكنه كذلك خرج من الحرب وهو في وضع اقتصادي بالغ السوء فقد أوردت وكالة رويتر ان خسائر العراق من الحرب العراقية الإيرانية :
خسائر الأسلحة والذخائر 100 بليون دولار
الخراب في البنية التحتية والمباني 35 بليون دولار
خسائر في العائدات النفطية 15 بليون دولار

وعندما قامت الحرب كان لدى العراق من المدخرات ما يقارب30 بليون دولار وعندما انتهت الحرب تبخرت المدخرات وأصبح مدينا بما يقارب100 مليون دولار، تبلغ فوائدها السنوية 7 بلايين دولار، وهي قروض من الدول العربية(معظمها لحساب السعودية والكويت) ، والدول الأجنبية غير العربية ومؤسسات المال الدولية

وتخيل العراق أن غزو واحتلال الكويت هو البديل الواقعي لأزمته الاقتصادية ذلك أن الكويت تملك موارد نفطية كبيرة يمكن أن تعزز مداخيل النفط العراقية كما أن امتلاك الكويت لأصول خارجية مهمة مدرة للعائد لابد وان يساهم في تعزيز دخل العملات الصعبة. وتلك الأصول يمكن أيضا تسييلها أو رهنها لمواجهة التزامات الديون الخارجية القديمة أو الجديدة .
لذلك تحدث سعدون حمادي أثناء احتلال الكويت وذكر أن العراق سيتمكن من ضخ ستة ملايين برميل من النفط وجني ثمار ذلك من أموال تمكن العراق من مواجهة التزاماته في إعادة اعمار المنشآت والمدن . 
وفي شهر ابريل1990م تلقت الكويت رسالة مطولة من صدام حسين يطلب فيها قرضا بقيمة10     بليون دولار لسد العجز في السنة المالية القائمة ، كما حضر إلى الكويت لهذا الغرض سعدون حمادي ، وكان رد سمو الأمير إن هذا الأمر فوق طاقة الكويت ودعاه لبحث هذا الموضوع من خلال وزيري مالية البلدين ، كما طالب سعدون حمادي بإسقاط ديون الكويت لدى العراق ، وكان رد الكويت على ذلك أن إسقاط هذه الديون من شأنه أن يضر بالعراق ذاته لأن الدول الأخرى سوف تطالبه عندئذ بديونها قبله ولم يتم إسقاط تلك الديون وكلف سمو الأمير مستشاره عبد الرحمن سالم العتيقي بنقل رسالة مكتوبة بهذا المعنى إلى صدام حسين قوبلت كما هو متوقع بتجهم شديد من قبله ، ويضيف عبد الرحمن العتيقي أن صدام حسين « كان منفعلا جدا ولأول مرة يكون في حالة انفعال تحس أن واحدا في شيء في داخله يريد يتفجر لكن غير قادر عن الإفصاح عنه » وعندما اقترح عبد الرحمن العتيقي طرح الموضوع على دول مجلس التعاون الخليجية ، كان جواب صدام حسين ( لا يابه إحنا ما نريد هيجي ، إذا كان على إخواننا دول الخليج إحنا نعرف شلون نتصل ، إحنا ما نريد هيجي )

ويمكن إجمال مطالب العراق كما عرضتها جريدة لواشنطن بوست الأمريكية بعددها بتاريخ1990/7/31م فيما يلي :
 10 بلايين دولار كمساعدة
2.4 بليون دولار تعويضا عن النفط المسروق ( زعما )
إلغاء ديون الحرب التي تقدر بحوالي 10 بليون دولار

تخلي الكويت عن حقل الرتقة 
إبرام عقد إيجار طويل المدى يسمح للعراق بالسيطرة على جزيرة بوبيان وهناك معادلة صحيحة دائما من خلال دراسة تاريخ الدول والمجتمعات القديمة منها والحديثة. هذه المعادلة ترى أن هناك علاقة طردية بين عسكرة المجتمع والمغامرات الخارجية التي تقوم بها السلطة في ذلك المجتمع تحت مختلف التبريرات والأقنعة الإيديولوجية فالأوضاع العسكرية في العراق المتمثلة في جيش ضخم خرج لتوه من حرب ضروس ويتعذر إدماجه في المجتمع المدني في ظل نظام الحكم القائم في العراق والأوضاع الاقتصادية المتدهورة كانت تنبئ بأن العراق سوف يقدم على مغامرة عسكرية جديدة وهذه المغامرة العسكرية لن تكون بطبيعة الحال موجهة ضد إيران التي خرج العراق لتوه من الحرب منها ... لقد كانت هناك أحداث ومؤشرات تدل على أن شيئا كارثيا كان لابد أن يحدث من اجل إخراج العراق من وضعه الاقتصادي اليائس والذي يقف حجر عثرة في طريق هيمنة القوة العراقية كأقوى قوة في المنطقة بعد حرب الخليج الأولى أضف إلى ذلك شخصية صدام حسين نفسه التي تتميز بالإيمان بالعنف كوسيلة لتحقيق الأهداف سواء تحدثنا عن مرحلة المعارضة أو مرحلة الحكم ، وسواء تحدثنا عن العلاقة مع الرفاق أو المعارضة أو الجيران .
(راجع: الدكتور تركي الحمد ( الغزو : الأسباب الموضوعية والمبررات الإيديولوجية، عالم المعرفة ، العدد195، ص97- عامر التميمي ، « الابعاد الاقتصادية للغزو »، عالم المعرفة ، العدد195، ص227 وما بعدها))

يخلص مما تقدم : 
أولا : إن العراق هو السبب في التوتر في العلاقات العراقية الكويتية فبالرغم من تحديد الحدود بين البلدين بوضوح كاف بمقتضى اتفاقيات1912م ، 1922م ، 1932م ، 1963م ، إلا أن العراق كان يرفض دائما أي طلب من جانب الكويت لترسيم الحدود بل تجاوز ذلك إلى نقض الاعتراف بالكويت دولة وحدودا ، وهو ما حدث في عهد الملك غازي سنة1937م ، وعبد الكريم قاسم سنة1961م ، وكانت الخاتمة بالزحف على الكويت واحتلالها وضمها في1990/8/2م .
وتخللت هذه التواريخ ادعاءات من المسؤولين العراقيين بأن أجزاء من أرض الكويت (وربة- بوبيان- الساحل الشمالي) تدخل ضمن الحدود العراقية ، بالمخالفة للاتفاقيات والمواثيق المتفق عليها بين البلدين ، وآخرها اتفاقية1963م وزاد من عوامل التوتر في العقود الأخيرة ، محاولة العراق ابتزاز الكويت عن طريق طلب المساعدات والقروض التي لا ينوي العراق سدادها ، ولا تستطيع الكويت عملا إجباره على دفعها ورغم أن مستحقات الكويت لدى العراق بلغت قبل الغزو13 مليار دولار على الأقل ، إلا انه عاد وطالب قبل الغزو بمساعدة تبلغ عشرة مليارات دولار ، ولعل عدم موافقة الكويت على هذا الطلب ، وعدم رضوخها لهذا الابتزاز الذي لا ينتهي هو احد الأسباب المباشرة لعدوان1990/8/2م .
ثانيا : إن جميع الادعاءات التي وردت في مذكرتي العراق إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية خلال شهر اغسطس1990م لا أساس لها من الصحة ، بل هي مزاعم قدمها إلى العالم العربي والأجنبي ليبرر عدوانه الآثم على دولة الكويت فالكويت لم تتعد حقوقها الدولية في استغلال حقل الرتقة ولم تتعمد تجاوز حصتها في مؤسسة الأوبك بقصد التأثير في اقتصاديات العراق ولم تزحف كما يدعي النظام العراقي زحفا مبرمجا على أراضيه بل العكس هو الصحيح فالعراق هو الذي كان كثير التعدي على الحدود الكويتية وأبرزها حادثة الصامتة سنة1973م  التي أمكن تطويقها بفضل المساعي العربية .
ثالثا : اقر المسئولون أن غزوا جزئيا كان متوقعا ، كاحتلال جزيرتي وربة وبوبيان وجزء من الساحل الشمالي وحقل الرتقة الكويتي وان كانــــــوا لم يتوقعـــــوا الاجتيـــاح الكامــــل الــــذي حـدث فـي 1990/8/2م ويجمع المسئولون الذين استمعت إليهم اللجنة ، أن العدوان الجزئي كان متوقعا منذ أن قدم العراق مذكرته الأولى إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية في1990/7/15م . 
رابعا : إذا كانت الحكومة قد توقعت فعلا العدوان الجزئي فقد كان في وسعها أيضا توقع ما هو ابعد من ذلك وهو الاجتياح الكامل لأرض الكويت وذلك في ضوء المعطيات التالية :
1- التوتر الكامن في العلاقات بين البلدين بسبب ادعاءات العراق الحدودية، وهو توتر امتد عبر سنوات عديدة .
2- الضغط العراقي للحصول على مساعدات مالية الذي تزايد منذ مؤتمر قمة بغداد1990م .
3- التهديدات العراقية الصريحة منذ1990/7/15م .
4- التقارير الاستخباراتية (يراجع التقرير العسكري) والتحذيرات الكثيرة للحكومة احتمالات الغزو العراقي ، والتي وردت من شخصيات رسمية وغير رسمية قبل1990/7/15 وبعده .
5- عدم صدور أي بادرة من النظام العراقي في الفترة من15/7 الى1990/8/1م تدل على الاستجابة الجدية للوساطة العربية ، وبصورة خاصة رفضه اقتراح الكويت تشكيل لجنة من أطراف عربية تنظر في أوجه الخلاف بين الدولتين .
6- شخصية صدام حسين التي تؤمن بالعنف كوسيلة لتحقيق الأهداف .
7- كما انه مما كان يرجح اتجاه العراق نحو العدوان العسكري الظروف الاقتصادية القاسية التي كان يعيشها العراق بسبب حربه مع إيران وزيادة أعباء الديون ، بالإضافة إلى طبيعة نظام الحكم في بغداد ، وعدم قدرته على استيعاب الطاقة البشرية الكبيرة التي تضمها قواته المسلحة في المجال المدني . 
خامسا : اطمأنت الحكومة تماما إلى الوساطات العربية التي أكدت لها أن النظام العراقي لن يقوم بأي عدوان وعلى هذا الأساس اختارت البديل السياسي ، وسارت فيه إلى نهايته ، إلى أن كان اجتماع جدة في13/7 ، 1990/8/1 م الذي لم يسفر عن شيء وفيما بين فشل هذا الاجتماع واختراق الحدود ، وهي فترة تقاس بالساعات ، لم يكن لدى القيادة السياسية الوقت الكافي لاختيار بديل آخر ، فكان الاجتياح الكامل وسقوط جميع مؤسسات الدولة في غضون ساعات . 
سادسا : يبدو انه حتى بعد فشل اجتماع جدة وعودة الوفد الكويتي إلى البلاد في مساء يوم1990/8/1م لم يكن الاجتياح العراقي متوقعا لدى القيادة الكويتية فلدى عودته إلى الكويت ، دعا سمو ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء إلى اجتماع لمجلس الوزراء يعقد في الساعة التاسعة من صباح يوم1990/8/2م كما طلب النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية من وكيل وزارة الخارجية الالتقاء بالسفير العراقي لدى الكويت في صباح اليوم ذاته للتباحث حول موضوع جانبي وفرعي .

أي أن الحكومة لم تعتبر فشل اجتماع جدة فشلا للعمل الدبلوماسي ولم يحدث ، منذ بداية الأزمة ، وحتى ساعة اختراق القوات العراقية الحدود الكويتية ، أن طلبت حكومة الكويت عونا عسكرياً خارجياً ، خليجيا ، أو عربياً ، أو أجنبيا ، ولم يحدث أن اتخذت إجراء ما ، عسكرياً أو مدنياً ، لمواجهة عدوان محتمل .
ولم تفق الحكومة إلا بعد أن تم اختراق الحدود فعلا ، فكان طبيعيا أن تصاب بالارتباك والهلع. وكان ذلك واضحا في اجتماع مجلس الوزراء ليلة 2/8 في الجيوان ، الذي حضره سمو ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء وبعض الوزراء ممن أمكن دعوتهم لحضور هذا الاجتماع ، ومن الطريقة التي غادر بها المسئولون أرض الكويت باتجاه النويصيب ثم الخفجي .
وعلى ذلك لم تضع أي خطة عسكرية تكون جاهزة عند الاقتضاء ، أو أي خطة عسكرية بديلة في حالة عدم نجاح الخطة الأصلية يقول سمو ولي العهد أنه في فجر يوم 2/8 ، بعد أن بلغه نبأ الاجتياح العراقي ، وانتقل من الجيوان إلى مقر الدفاع الجوي في صبحان : (طلعت قواتنا بالليل وطيارينا صحيناهم من فرشهم) وإذا كان قرار سمو ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء بالذهاب إلى قصر دسمان واصطحاب سمو أمير البلاد إلى خارج البلاد هو من أفضل واسلم القرارات التي كان ممكن اتخاذها في ذلك اليوم والتي أدت إلى إنقاذ الشرعية .
سابعاً : كان من الممكن أن تلجأ الحكومة إلى الخيار العسكري ولا نعني بذلك الاعتماد على القوة العسكرية الذاتية للكويت فقط ، فهي لم تكن تتناسب البتة مع الحشود العسكرية العراقية ، لا من حيث العدد ولا من حيث العتاد ولا من حيث الخبرة ، ولكنها كانت تكفي لو تم إدارة الأزمة بالأسلوب السليم لتأخير الاجتياح العراقي ولو إلى حين .

وفي تقييم الأجهزة الغربية والمحلية أنه لو كانت هناك استعداديه قتالية لدى القوات المسلحة الكويتية لكان باستطاعتها تأخير تقدم القوات العراقية لمدة يومين والعمل كأسلاك شائكة مما يعطي الكويت الوقت الكافي لأن تستدعي قوات شقيقة وصديقة تصل لمساعدة الكويت ولكن شيئا من ذلك لم يحدث ، وصدرت الأوامر للقوات المسلحة بالتصدي للغزو العراقي بعد عدة ساعات من اختراق الحدود وفي وقت لم تكن فيه جاهزية القوات المسلحة كاملة للقيام بمهامها القتالية وهو ما أدى إلى سقوط الدولة بالكامل بجميع مؤسساتها .

وصحيح أيضا أن الاستعانة بالعون العسكري العربي لم يكن ليسعف فالعلاقات العربية- العربية في 1990م لم تكن كما كانت عليه في سنة 1961م الوساطات العربية التي كانت تدعو إلى التهدئة تنبئ بذاتها بأن الدول العربية لم تكن ترغب في أن تخوض وحدها غمار حرب ضد العراق لا تعرف عواقبها .

ومعاهده الدفاع العربي المشترك تكاد لم تر منذ أن تم التوقيع عليها طريقها إلى التطبيق وكانت أجهزة الإعلام العراقي ترسخ في الأذهان أن العراق قوة عسكرية لا تهزم وقادرة على حرق « نصف إسرائيل » بما تملكه من الأسلحة التقليدية والأسلحة المحرمة دوليا والكيماوي المزدوج .

ومع ذلك فإن دعوة الدول العربية إلى تحمل مسؤولياتها تجاه الأزمة ، كان من الممكن أن تكون لها جوانبها الإيجابية السياسية والعسكرية ولكن شيئا من ذلك لم يحدث ، واقتصر تحرك الحكومة في إطار جامعة الدول العربية على العمل السياسي كما أنه كان من الممكن فور التهديدات العراقية بدءا من 15/7/1990م الطلب من الولايات المتحدة المشاركة في رد العدوان وتطمئن اللجنة في ذلك إلى ما أفاد به الشيخ سعود الصباح سفير الكويت لدى الولايات المتحدة الأميركية من أنها كانت على استعدادا لهذه المشاركة إذا طلبت منها الكويت ذلك وهو ما لم يحدث خاصة وأن الكويت قد نجحت أثناء الحرب العراقية الإيرانية في حماية ناقلات النفط الكويتية التي كانت تتعرض لاعتداءات مستمرة في الخليج برفع العلم الأميركي عليها وذلك بالاتفاق مع الولايات المتحدة الأميركية . 
ثامناً : ولا تقتنع اللجنة بما ردده المسئولون أمامها من أن تقييم الخيار السياسي واستبعاد الخيار العسكري لم يكن فقط بسبب التطمينات العربية ، بل كان أيضا بسبب المواقف المبدئية للكويت منذ استقلالها من حيث إيمانها بالقومية العربية ، ومبادئ عدم الانحياز وإن الرأي العام الداخلي ما كان ليقبل الاستعانة بقوات أجنبية وأن ذلك كان من شأنه أن يحدث انشقاقا داخليا وخليجيا لا تقتنع اللجنة بشيء من ذلك فالمفروض أنه عندما يكون الوطن في خطر أن تتوارى الشعارات لتحل محلها الوسائل الكفيلة بدرء الخطر فلحماية التراث الوطني تباح كل الوسائل التي يقرها القانون الدولي للدفاع عن النفس أما الرأي العام الداخلي فقد كان مغيبا بسبب حل المجلس النيابي وفرض الرقابة على الوسائل الأهلية للإعلام منذ سنة 1986 ولم تكن تتوافر للرأي العام كما توافرت للسلطة التنفيذية المعلومات عن حجم الحشود الرابطة على حدوده ومدى المخاطر أنها التي توشك أن تتعرض لها البلاد وهذا الرأي العام الذي تقول الحكومة أنها أدخلته في الاعتبار وانه كان من أسباب تفضيلها للبديل السياسي هو ذاته الذي لم تعتد به الحكومة ولم تضعه في اعتبارها عندما أقدمت على حل مجلس الأمة حلا غير دستوري في سنة 1976م وسنة 1986م . 
تاسعاً : إن علاقة الكويت بالعراق قبل وبعد 15/7/1990 لم تبن على أسس علمية ، ولم تضع الحكومة في الاعتبار أن العلاقات الدولية إنما تستهدف أولا تحقيق المصالح الوطنية السياسية والاقتصادية ، كما تراها الدولة صاحبة الشأن وليس كما يراها الآخرون وحتى الأعمال الإنسانية التي تقوم بها الدولة ، كتقديم المساعدات العينية والمنح النقدية والقروض الميسرة ، لا تستهدف فعل الخير في ذاته ، ولا تنتظر الدولة المانحة عنها ثوابا أخرويا،بل هي وسائل لغايات أبعد ، تصب كلها في مجرى المصالح الوطنية وكان على الحكومة في الكويت أن تدرك أن ما قدمته للنظام العراقي من مساعدات مختلفة الأنواع أثناء حربه مع إيران ، وقبل هذه الحرب وبعدها لم يكن من المؤكد أن يؤثر في العراق إيجابا بحيث يغير من سياسته تجاه الكويت تلك السياسة التي يعود تاريخها إلى عدة عقود مضت والتي اصطبغ بها تفكير قادته سواء في ظل النظام الملكي أو في ظل أنظمته المتتابعة منذ سنة 1958م على اختلاف مبادئها وبرامجها . 
عاشراً : إن سياسة الكويت في علاقتها بالعراق بل وبالدول الأخرى بصورة عامة يجب أن تقوم على استشراف المستقبل في ضوء الحاضر المعاش وفي ضوء معطيات الماضي مع دراسة جميع الاحتمالات المستقبلية دراسة علمية كافية ، ووضع البدائل المختلفة لمواجهة جميع الاحتمالات بما يحقق الأهداف الوطنية وفي مقدمتها الدفاع عن الوطن وسلامة أراضية ويدخل في ذلك دراسة طبيعة النظام العراقي ومبادئه وأهدافه ووسائله لتحقيق هذه الأهداف وكذلك دراسة شخصية قادته السياسيين وعاداتهم وطبائعهم وطموحاتهم ، والمفروض أن تستعين الحكومة في ذلك بمؤسسات تضم خيرة الخبراء في مجال العلوم السياسة والعلاقات الدولية وعلم النفس وهم متوافرون في الكويت بفضل الله . 
أحد عشر : تستفاد من أقوال سمو ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء الشيخ / سعد العبدالله الصباح أن أجهزة نقل المعلومات لم تنل عناية الحكومة إلا بعد التحرير فقد ذكر سموه أنه ( فيما يتعلق بأجهزة نقل المعلومات للسلطات المختصة بالكويت وبناء هذه الإدارة على أسس علمية يعني هذه واردة عندنا وبدئ باتخاذ الخطوات الخاصة بإعادة تدريب وتوظيف العناصر والكوادر التي تتواجد فيها المواصفات الخاصة للعمل في هذه الإدارة ) وعندما سئل لماذا لم تترك قبل مغادرة الكويت قيادة بديلة كان جوابه ( أي قيادة تترك هي طامة ) وأنه تحمل مسؤولية تعريض الكويت للغزو العراقي ونتائجه ... وعندما سئل عما إذا كانت قد وصلت معلومات استخبارية عن احتمالات الغزو كان جوابه

 ( أنا قلت أني أنا أتحمل المسؤولية أكثرا من هذا تبوني أقولكم ؟ )

وواضح من أقواله أن الحكومة كانت ليلة الغزو في اضطراب كامل وأنها فقدت القدرة على التصرف .




يتبع ...