2024-03-02

حظائـر الحكـــام الحميـــر 2

 

من المهم أن تعرف أن كل طاغية خلفه تربية قاسية تصنع منه شخصية حقودة مريضة تتنازعها الرغبة بالإنتقام دون شفقة وتستمتع بمشاهد التعذيب أو القتل أو الإذلال في حالة من تعظيم النفس التي تصل إلى منزلة الآلـــة الذي يتحكم بمصائر الناس ... وهؤلاء نجدهم في الأسر الحاكمة والإمبراطورية والسلطانية والرئاسية بل وحتى في الأسر فاحشة الثراء ... وأيضا خلف كل عظماء العالم من المخترعين والفلاسفة والمفكرين تربية قاسية موجعة صنعت منهم عظماء قدموا للبشرية عصارة العقل لأنقى معايير الواقع ... إذن التربية القاسية وظروف المنزل لأي إنسان في الصغر بديهيا هي من تصنع وتكوّن شخصية الإنسان في الكبر سلبا أو إيجابا ... بمعنى أن السياط واحدة لكن المنتج مختلف ... ونقطة الإختلاف مركزيتها إما أسرة فاحشة الثراء أو أسرة مدقعة الفقر ... فاحشة الثراء ليس هناك أكثر من الأسر الحاكمة قديما عندما كانت السياسة تتحكم بالمال وبالمناسبة "السادية & المازوخية" خرجت من قلب الأسر الحاكمة والأثرياء حصريا حتى انتشرت بين العوام غيما بعد ... وأما الأسر الفقيرة لن يكون أمامي مثالا مثل مأساة الكيميائي الأمريكي "تشارلز نيلسون جوديير" صاحب الماركة العالمية للإطارات "Goodyear" فقد كان شديد الفقر وماتت زوجته و3 من أبناءه بمرض الجدري ورغم ذلك استمر بعد أن تم الإستهزاء به وتسفيهه وتم الإحتيال عليه من أجل سرقة اختراعه بتطويع وتمكين المطاط للإستخدامات المتعددة مثل "الأحذية - الإطارات" ؟

هناك نوع ثالث من الشخصيات هو الأخطر على الإطلاق حتى يومنا هذا وهي "الشخصية التي ولدت تحت مظلة الفقر وذل الحاجة وتفعل الأقدار أفعالها فتصل تلك الشخصية إلى سلطة الحكم" ... هذه الشخصية تحديدا وبنسبة 99% ما وصلوا للحكم إلا وكانت الشعوب على موعد مع "عهد الظلام" من القتل والتعذيب والفقر والجوع أو الإنهيار الاقتصادي وهذه الشخصية بطبيعتها "غادرة خائنة خسيسة" لا تملك أدنى ذرة شرغ لكنهم باهرون بالتبرير ورمي أخطائهم على الأخرين حتى ولو كان الشعب بذاته يتهمونه بالإهمال والتقصير والفساد إنهم أوغاد حقا ... ولذلك صدق الفيلسوف التونسي "ابن خلدون" في كتابه "مقدمة ابن خلدون" عما وصفهم بتحليله الدقيق قائلا "لا تولّوا أبنـــاء السفلــــة والسفهـــاء قيادة الجنود ومناصب القضاء وشؤون العامة لأنهم إذا أصبحوا من ذوي المناصب اجتهدوا في ظلم الأبرياء وأبناء الشرفاء وإذلالهم بشكل متعمد نظراً لشعورهم المستمر بعقدة النقـــص والدونيـــة التي تلازمهم وترفض مغادرة نفوسهم" ... وهذا التحليل المدهش بمطابقته للواقع رأيناه من خلال الكتب والتوثيقات والشهادات والصور ماذا فعل فقراء العراق ومصر وسوريا عندما وصلوا إلى السلطة وتمكنوا من الحكم ... لا حاجة للتوسع في الأمر فهذه الدول اليوم شاهدة إلى ما ألت إليه أحوالهم وأوضاعهم ويكفي أن تعلموا أن أكثر من 35 مليون نسمة من أبناء "العراق وسوريا ومصر" مقيمين خارج أوطانهم ... وهذه الدول تحتل التصنيف العالمي كأسوأ تعليم وجامعات وأسوأ علاج ومستشفيات وأسوأ أمن وقضاء وأسوأ حقوق إنسان وأسوأ جواز سفر وأسوأ أنظمة سياسية وأسوأ حالة معيشية ... وأيضا في أفريقيا قارة الفقراء والجياع خرج من بينهم أشهر الطغاة بوحشية وهم يستمتعون بمشاهد الإبادات الجماعية والقتل والتعذيب ... مثل رئيس أوغدا "عيدي أمين" ورئيس زمبابوي "روبرت موغابي" وامبراطور إفريقيا الوسطى "جان بيدل بوكاسا" ورئيس تشاد "حسين حبري" ورئيس غينيا "موسى كامارا" ورئيس كينيا "أوهورو كينياتا" والقائمة لا تنتهي ... وفي أوروبا من أبناء الفقر الذين استبدوا بالسلطة وفتكوا بالرعية بكل تأكيد رئيس ألمانيا "أدولف هتلر" ورئيس إيطاليا "بينيتو موسوليني" ورئيس رومانيا "نيكولاي تشاوشيسكو" ورئيس أسبانيا "فرانثيسكو فرانكو" ... والقائمة لا تنتهي من أشهر مجرمي الحرب وطغاة الحكم والحكام اللصوص الذين خرجوا من أسر فقيرة معدمة ووصلوا للحكم ولما وصلوا اتضح أنهم مرضى نفسيين مختلين عقليا ؟

في الجانب الأخر من "حظائـــر الحكــــام الحميـــر" نلتفت إلى الحكام العرب وبكل تأكيد لا يمكن أن نغفل التاريخ الأسود في الدولة الأموية والعباسية والأندلسية والعثمانية ... ففي العهد الأموي كان "الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان" والذي في يوم أخذ القرآن وفتحه وأول ما طلع له { واستفتحوا وخاب كل جبارٍ عنيد }  فقال ‏:‏ أتتوعدني ؟ ثم علقه ولا زال يضربه بالنشاب حتى خرقه ومزق المصحف وهو ينشد قائلا ‏‏

أتتوعد كل جبار عنيد فها أنا ذاك جبار عنيد

إذا لاقيت ربك يوم حشرٍ فقل لله مزقني الوليد

أفرط أمير المؤمنين وخليفة المسلمين في الخمر والنساء واللهو والبذخ وشراء الذمم والولاءات وتاه عن شؤون الدولة وأحوال الرعية فقتل "الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان" على يد ابن عمه "يزيد ابن الوليد" في سنة 744 ميلادية ... وفي "حصن العرب" قال "الوليد ابن يزيد" قبل مقتله : أما فيكم رجل له حسب وحياء أكلمه كلمة ؟ ... فقال له "يزيد بن عنبسة" : كلمني ... فقال : ألم أزد في أعطياتكم ألم أعط فقراءكم ألم أخدم زمناكم" ؟ ... فقال "بن عنبسة" : ما ننقم عليك في أنفسنا ولكن ننقم عليك في انتهاك ما حرم الله وشرب الخمر ونكاح أمهات أولاد أبيك واستخفافك بأمر الله ... ورجع "الوليد ابن يزيد" الي الوراء واخذ مصحفا وقال : يوم كيوم عثمان ... ونشر المصحف يقرأ ثم قتلوه وكان آخر كلامه قبل أن يُقتل : أما والله لئن قُتِلت لا يرتق فتقكم ولا يلم شعثكم ولا تجتمع كلمتكم ؟ ... وخلفاء وملوك مسلمين قتلوا أبنائهم من أجل كرسي الحكم مثل الجارية اليمينية "الخيزران بنت عطاء" والتي تزوجها خليفة المسلمين "عبدالله بن محمد المهدي" وأنجبت له "موسى الهادي & هارون الرشيد" ... وما أن وصل ابنها "موسى الهادي" إلى الخلافة حتى دب الخلاف بينه وبين أمه على نفوذ السلطة فتلته حتى يحكم أخيه "هارون الرشيد" المطيع لأوامرها ... وفي الدولة الفاطمية هناك "الحافظ لدين الله أبو الميمون عبد المجيد" الذي قتل ابنه "الحسن" ... وفي الأندلس في حكم الملك "المعتضد ابن عباد" قتل ابنه "اسماعيل" ... وفي عهد المماليك في مصر كان هناك "إبراهيم بن السلطان المؤيد شيخ" قتل ابنه "صارم الدين إبراهيم" ... وفي العهد العثماني حدث ولا حرج بقتل الخلفاء لإخوانهم حتى أن "سليمان القانوني" قتل ابنه الأكبر "مصطفى" ثم قتل ابنه الأخر "بايزيد" وقتل حتى أحفاده من أبناء "بايزيد" الأربعة ... والسلطان "مراد الرابع" كاد أن يجفف نسل العثمانيين من فرط قتل السلالة ولم ينجو من القتل إلا أخيه المجنون "إبراهيم الأول" ومنه امتد نسل العثمانيين ... كلها دلالات على أن كرسي الحكم له شيطان يجلس من خلفه له مهمة استعباد وتطويع من يجلس عليه ... في مشهد لا يمكن وصفه إلا بأن السواد الأعظم من الحكام في التاريخ القديم والحديث ما هم سوى "حميــــــر حكــــم" ؟

المفارقة في كل هؤلاء أنهم أفقروا شعوبهم ومدوا أيديهم لسرقة جيوب شعوبهم ... وجميعهم لصوص وجميعهم فاسدون وجميعهم قتلة ومجرمين لا بل بعضهم قد حاصر قرى ومدن ومن ثم دخلوا وأبادوا كل من فيها ولو كانت امرأة حامل بجنينها ... كما فعل العباسيين عندما انقلبوا على الأمويين واقتحموا دمشق عاصمة الخلافة الأموية في 750 ميلادية وأنهوا 90 سنة من حكم الخلافة الأموية ... ونبشوا قبور الموتى من خلفاء "بني أمية" وجعلوا "المسجد الأموي" الشهير اسطبلا للخيول وعلف الجمال ... وقتلوا النساء والأطفال واستعبدوا الحرائر ونقلت ملكية العبيد والجواري للعباسيين ... ولاحظوا أن كل هذا حدث باسم الدين والإسلام أي في العهد والعصر الإسلامي ولم يلتفت أحد قط إلى "قال الله - قال الرسول" ... وخرست أصوات العلماء والأئمة ولا ابن أبيه كان يجرؤ على فتح فمه خشية القتل ... إذن لدينا قاعدة قديمة التاريخ ومستمرة في ديمومتها ألا وهي : السلطة والحكم أهم من الدين والمال وشراء الذمم والولاءات أهم من الإسلام والإنتقام حق ولو خالف كتاب الله سبحانه ... ليتجلى أمامنا المشهد قديما وصولا إلى يومنا هذا أن السياسة تعلو فوق الدين ومصالح أفراد الحكم تعلو فوق الشريعة ... لكنهم يكذبون بزعم أن تلك هي مصالح الدولة العليا وفي الحقيقة هي مصالحهم الشخصية الشيطانية وفسادهم ولصوصيتهم حصريا لكنهم غلفوها للعامة وللرعية على أنها مصلحة الدولة والشعب ... ولا تزال أبواق الشياطين من "أغلب" رجال الدين الملاعين تمهد الطريق لكل فاسد ولص ولكل طاغية ومجرم بزعم "ولاية الأمر" التي رفعوها لدرجة التقديس والشرك بالله والعياذ بالله ... وولاية الأمر شأنها شأن أي قواعد ومعايير دنيوية أخرى أي مشروطة وليست مطلقة ... بمعنى العلاقة بينك وبين العمل مشروطة وبين الزوج وزوجته مشروطة وبين الحاكم والرعية مشروطة لا بل وحتى الوالدين العلاقة بينهم وبين أبنائهم مشروطة "لا يوجد شيئ مطلق" لا يوجد عبيد ولا استعباد ولا قهر ولا استبداد ... تلك الأسس خرجت إلى النور يوم خرج ضياء الدين الإسلامي وهَدي محمد ابن عبدالله ونعمة القرآن الكريم التي لا تسويها نعمة على وجه الأرض ... حتى العلاقة بينك وبين الخالق عز وجل مشروطة وليست مطلقة بمعنى تؤمن لك الجنة تجاهد لك الجنة تكون إنسانا لك الجنة ... لا تؤمن تكفر تلحد تشرك بالله تسرق تقتل تظلم إلخ أنت حر لكن هناك عقاب وعذاب وخلود جهنم { وقل الحق من ربكم فمن شـــــاء فليؤمن ومن شــــاء فليكفر } الكهف ... ومن شـــــاء هذه حرية مطلقة من رب العدل جل جلاله حتى حاكم دولتك لم يعطيك إياها لكن أعطاها لك رب العالمين سبحانه وتعالى لتتحمل ثمن أفعالك وقراراتك { اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } الإسراء ... { إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون } يونس ؟




يتبع الجزء الثالث 



دمتم بود ...


وسعوا صدوركم