الأربعاء، 2 أغسطس، 2017

بعد 27 سنة من الغزو العراقي ... شهادتي على الغزو ؟

في 1990 كنت أحد أفراد الإدارة العامة للمباحث الجنائية الكائنة في منطقة سلوى آنذاك وتحديدا في إدارة مكافحة المخدرات في الدور الأول من المبنى الأول وكان الدور الثاني فوقنا مكتب المدير العام ومكتب مساعد المدير العام والمبنى الثاني كان الشؤون الإدارية وقسم الأداب والتزوير والبحث ولا أذكر ماذا أيضا ... وكان المدير العام للإدارة العامة هو الفريق المتقاعد / عبدالله الفارس "بو عبدالرحمن" وكان وقتها برتبة عقيد وهو يعرفني جيدا بحكم عملي المباشر معه وعلاقته وصداقته مع والدي منذ 50 عام وأكثر وكان مساعد المدير العام العقيد الراحل / عبداللطيف العيسى طيب الله ثراه ... وكان مديري المباشر العميد الراحل / عبدالله سعيد الفرحان طيب الله ثراه ... وكان جهاز أمن الدولة بقيادة الفريق المتقاعد / فهد الفهد "بو أحمد" آنذاك كلما حدث لديهم نقص في الأفراد والضباط يستعينون بالإدارة العامة للمباحث الجنائية ... وكانت المباحث الجنائية لا ترسل لأمن الدولة ما تحتاجه من نقص في الحالات الإستثنائية إلا الكويتيين فقط العاملين في المباحث الجنائية التي كان يعمل فيها البدون والعراقي والإيراني والكويتي والسعودي ... وكان جهاز أمن الدولة ينتقي الأسماء حتى مع العسكريين الكويتيين بل كانت أسمائنا ترسل لأمن لدولة ليختاروا هم القوة التي ستساعدهم ... وكنت أنا من بين الأسماء التي دائما ما يتم الإستعانة بهم في الحالات الإستثنائية ومعي عدد من زملائي آنذاك ؟ 
عندما حدثت الأزمة بين الكويت والعراق "سياسيا " في 1990 استنفر جهاز أمن الدولة لرصد كل أعضاء السفارة العراقية وكل من يتعاون معها أيا كانت أسمائهم وجنسياتهم ودرجة حصانتهم ... كان هذا الحديث إن لم تخني ذاكرتي في شهر 7 من السنة نفسها ... فوضعنا بمهمة مراقبة إمرأة عراقية تسكن في شقة في منطقة الجابرية وكانت هادئة جدا لا تخرج كثيرا وإن خرجت لا تذهب إلى أماكن عادية وحتى في الأماكن العادية كانت مرصودة بشكل دقيق جدا ولو كانت نظرة أو حتى سلام ... لكن قبل الغزو بـ أسبوع أو 4 أيام لا أتذكر تحديدا بدأت المرأة العراقية الهادئة جدا تنشط بدرجة كبيرة جدا فكانت تأخذ رجل "سوداني" من منطقة السالمية وتذهب به إلى الأماكن الحساسة في لدولة مثل محطات الكهرباء والماء والإتصالات التي أصلا كانت معروفة ومرصودة جيدا من العراقيين ... وأتذكر وقتها أننا كالقوة المكلفة بمراقبة هذه المرأة طلبنا ضبطها واعتقالها سواء بمداهمة منزلها أو بإيقافها في الشارع ومن ثم ضبط كل من اتصلت لهم لخبرتنا "الإحترافية" آنذاك بمراقبة ومداهمة وضبط متعاطين وتجار المخدرات المسلح والأعزل منهم ... وأعترف وبكل ثقة لو كان لدينا أمر بضبطها هي ومن تعاملت معهم لتم هذا الأمر بكل سهولة ويسر ... فكان رد أمن الدولة : كلا فقط راقبوها وزودونا بتقارير يومية مفصلة عنها ... وفي يوم 1-8-1990 وعند استلام مناوبتي في الساعة 9.30 مساء كانت هذه المرأة موجودة في شقتها ... لكن في تمام الساعة 12 مساء كانت حركة الشارع على الخط السريع غير عادية على الإطلاق لأن العمارة التي كانت تقطن فيها المرأة كانت مطلة مباشرة على الخط السريع مقابل منطقة السرة ... واستمر هذا الوضع بحركة غير عادية وكلما راسلنا الإدارة العامة للمباحث الجنائية قالوا : لا شي غير عادي "ماكو شي" ... إلى أن بزغ نور الصباح في 2-8-1990 وإذا بالطائرات الحربية العراقية تحوم فوق رؤوس الشعب الكويتي بارتفاع منخفض لتعمد إظهار الصوت العالي للطائرات ... فانسحبنا من موقعنا لنذهب ونعرف ماذا يحدث وإذا قصر بيان يشتعل والسيارات على الخط السريع تمشي عكس السير بفوضى ومشهد لن أنساه ما حييت ؟
الراحل عبدالله حمزه الرومي 
ذهبت مباشرة إلى منزل والدي في منطقة مشرف وطلبت من والدتي أن تذهب بيت خالتي في منطقة أبو حليفة فقالت جملتها التي لا أنساها : وين نروح ونهد بيتنا لا حشا ماني طالعه ... وطلبت من والدي نفس الطلب فرد عليه وهو رجل عصبي : أقضب الباب وتوكل على الله ماني ناقصك ؟ ... كانت فوضى نفسية اجتماعية فوضى عقل وعاطفة غضب وحزن بكاء وقهر وفي نفس الوقت كان هناك إصرار على البقاء مهما كان الثمن وترقب من سيقف مع الكويت ومتى وصدمات ممن وقفوا ضدنا ... ومن المفارقات العجيبة الغريبة أن والدي كان يعمل آنذاك رئيس تحقيق في مخفر السالمية وقبل مخفر السالمية كان في مخفر النقرة وقبل النقرة في مخفر الشويخ القديم ومن زملائه وأصدقائه العم عبداللطيف الثويني والعم يوسف الطخيم والعم عبدالله الفارس والقملاس والفهد والرومي هؤلاء من أذكرهم المقربين منه ... لكنه في ثالث يوم من الغزو ذهب والدي إلى مخفر السالمية فوجد الغزاة وأبلغهم بأنه يعمل في المخفر وطلبوا هويته ثم فتح خزنة مكتبه "التجوري" وأخذ أوراقه وكانت عبارة عن شهادات ميلادنا والجناسي وما إلى ذلك معتقدا أن المخفر أأمن مكان لحفظ أوراقه المهمة ... والمعجزة دخل وخرج دون أن يعتقله أحد وربما كان هذا قبل أن تدخل قوات المخابرات وتمارس الإعتقال والتعذيب والقتل بحق الكويتيين ... مثل معجزة العم الراحل عبدالله الرومي الذي كان وقتها المدير العام لكلية الشرطة برتبة عقيد ودخل العراقيين منزله للتفتيش في منطقة الجابرية فتشوا كل بيته إلا ديوانيته الخارجية لم يدخلوها فلو دخلوها لوجدوا صوره وهو بلباسه الرسمي في حفل تخريج الطلبة الضباط وبجانبه سمو أمير البلاد ووزير الداخلية ولو قرأ أحد أبنائه هذه المعلومة لأكدها بنفسه لأن من روى لي هذه المعلومة هو الراحل عبدالله حمزه الرومي بنفسه وعلى لسانه وكنت أنا في الغزو من يجلب له كميات من الخبز من مخبز الرميثية عبر أحد الأبطال من فئة "البدون" وكنت أوزع الخبز على من أعرفهم ولا أتذكرهم الآن ... بالرغم من أن أخي كان يعمل في مخبز مشرف لكني لم أطلب منه خبزا لأن أي كمية كبيرة كانت ستثير الشك في منطقتنا ... لكن مخبز منطقة الرميثية كانت كميات الخبز الكبيرة أمرا طبيعيا ؟

وبالعودة إلى موضوعنا استكمالا لأول يوم من الغزو العراقي ... اتجهت إلى الإدارة العامة للمباحث الجنائية في منطقة سلوى وإذا بالجميع متواجد ... ماذا نفعل ؟ يا قيادات يا ناس أفيدونا إلى أين نذهب نساعد من ونشتبك مع من ؟ والرد العسكري الحاسم كان : لا توجد أوامر وعليكم البقاء في الإدارة وتسليح الجميع ... وفي صباح ثاني يوم من الغزو العراقي أي في 3-8-1990 لم يغمض لنا جفن جائتنا الأوامر : خذوا أسلحتكم معكم واذهبوا إلى منازلكم حدث الغزو والقيادة السياسية خرجت إلى السعودية وكل يتولى أمره بنفسه لقد سقطت الكويت وانتهى كل شيء ... وقبل أن أخرج من الباب الرئيسي للإدارة كان يقع بالقرب منها غرفة "الأحوال" وبداخلها نظارة التوقيف فذهبت وأطلقت سراح كل من كان متواجد فيها فاستنكر من كان موجودا فقلت : نخرج يعني يخرجون معنا وطالما لا توجد أوامر فأنا المسؤل عن خروج هؤلاء ... وبالفعل أطلقت سراح الجميع ولا أعرف كم كان عددهم ولا أعرف ما هي قضاياهم لكن من كان موجود في حينها سيعرف وسيتذكر جيدا هذا الموقف عندما يقرأ هذه السطور ؟

رجعت إلى بيت والدي وإذا بعمي متواجد عندنا وهو الفنان مصطفى أحمد ... وبعد السلام عليه قال لي : ألا تعرف ماذا حدث لنا ؟ قلت : الغزو العراقي ؟ قال : كلا لقد وضعوا علامة على بيتي في خيطان "آنذاك" وكنت ليلة الغزو عند فلان الفلاني فاتصل به بعض فنانين الكويت وأخبروه أن لا يعود إلى منزله لأن منزله وضع الجواسيس عليه علامة ( × ) ... أي أنه البيت المطلوب وكان جيرانه في نفس المنطقة ونفس القطعة وإن لم تخني ذاكرتي في نفس الشارع الفنان الراحل علي المفيدي والفنان إبراهيم الصلال وبالتأكيد الصلال يعرف ما أسرده بدقه وبتأكيد ... وكان من ضمن المخطط أن يتم اعتقال فنانين الكويت مطربين وممثلين ليتم ترحيلهم إلى بغداد ومن ثم القيام بأعمال فنية تمجد الأكاذيب العراقية لغزوهم الخسيس ومن حظ عمي أن زوجته وبعض أبنائها كانت في دبي ... وفي يوم 5-8-1990 بعد الساعة العاشرة مساء استدعاني عمي الفنان مصطفى أحمد وطلب مني أن نذهب سويا إلى منزله لأن هناك أوراق مهمة يجب إحضارها بعد رفض العديد من أسرتنا الذهاب في هذا التوقيت ... فقلت له : لماذا لا يكون مشوارنا غدا صباحا ؟ قال : لأن غدا أنا سأخرج من الكويت قبل أن يتم اعتقالي وقد رتبت طريقة الخروج ... فذهبنا وإذا بالفعل أرى العلامة السوداء ( × ) على يمين الباب الخارجي ومن شكلها كانت بريشة "صبغ" عريضة باللون الأسود ثم عدنا إلى منزلنا في مشرف وأنا أقود بكامل قوة وسرعة سيارة عمي من نوع مرسيدي بنز 500 فكتب لنا عمرا في الذهاب والإياب من وابل الرصاص لأني كنت أرفض التوقف خوفا من اعتقاله ؟
 الراحل أحمد عبدالعال
أمضيت طيلة فترة الغزو العراقي في شقتي في منطقة سلوى وأتردد على مناطق الرابية والسالمية ومشرف وبيان وصباح السالم وغيرهم إلى قبل الضربة الجوية في عاصفة الصحراء لتحرير الكويت ... فجائني المذيع الراحل أحمد عبدالعال طيب الله ثراه وطلب مني الإنتقال إلى شقته في منطقة سلوى أيضا بحكم أن ابنته الفاضلة "لمـــا" كانت جارتي ... فانتقلت إلى منزلهم الكريم برفقة زوجتي "آنذاك" ومكثنا طيلة الحرب الجوية ما يقارب 39 أو 40 يوما حتى صباح تحرير الكويت في 25 فبراير 1990 وأعلن النصر الرسمي في يوم 26-2-1990 ... ومباشرة خرجت أتفقد الكويت في كل مكان حتى أني ذهبت إلى مستشفى مبارك وأنزل إلى ثلاجة الموتى في الطابق السفلي "السرداب" وإذا أرى مئات القتلى على الأرض لا تعرف هوية المقتول مدنيين وعسكريين من جيش الغزاة وكانت الرائحة لا توصف ... ثم جائني أحد أصدقائي المقربين من أسرة بهبهاني الكريمة وطلب مني أن نساعد الكويتيين بتزويدهم بالماء ... لأن محطات المياه والكهرباء توقفت كليا في الكويت آنذاك ... فذهبنا لموقع فيه "تناكر" سيارات نقل مياه يملكها والده "التاجر" كانت تقف في الشويخ خلف وزارة المواصلات هو كان يراقب كل ما يملكونه عل وعسى أن تعود ممتلكاتهم بعد التحرير ... ثم قمنا بكسر بوابة مضخة مياه أيضا تقع خلف وزارة المواصلات وبدأنا بتعبئة المياه ونقلها إلى بيوتنا ثم بيوت جيراننا ثم بيت منطقتنا ثم كل وأي بيت كويتي بما لا يقل عن 15 " درب " يوميا حتى كنا من شدة التعب نغفل وننام في تلك الشاحنات ... حتى علمت أن وزارة الداخلية عادت للعمل من جديد بعد أسبوعين لا أتذكر بجهد شخصي ممن كانوا في المباحث من الصامدين آنذاك ... فالتحقت بأول قوة عملت فعليا على الأرض بعد تحرير الكويت وتحديدا في مخفر القادسية وكان يعتبر هو أشهر مركز تحقيق واعتقال على مستوى الكويت ... لا نعرف الهدوء لا نعرف التوقف لا نعرف النوم لا نعرف الخوف كل شيء تلاشى منا ولا نريد سوى إلقاء القبض على الخونة المتعاونين بأقرب وقت ممكن وتطهير الكويت من أي جندي قد يكون مختبئ أو ضابط مخابرات مندس ... لا أتذكر أسماء من كانوا معي بالتفصيل لكن كان معي الزعبي والمجرن بالإضافة إلى قوة أخرى منفصلة عنا الخراز والضبيبي ... لا أستطيع تذكر المزيد لأننا على ما أعتقد كنا لا نزيد عن 30 كأقصى حد لكن كان يزورنا الشيخ أحمد الفهد والشيخ فيصل نواف الأحمد بلباس قوات التحالف وعددا كبيرا لا أتذكر من أسماؤهم إلا هؤلاء ... كانت الكويت يخيم عليها الظلام الدامس ولن يستطيع أحد أن يتخيل كيف الذهاب والبحث والإقتحام في الظلام الكلي إنها مغامرة موت بكل ما تحمله الكلمة من معنى ... وبعد على ما أتذكر شهرين أو 3 أشهر التحقت بمقر عملي الذي انتقل من منطقة سلوى إلى "نادي بوبيان" في منطقة سلوى مقابل فندق ساس فوجدت عبدالله الفارس الذي سلمت عليه وسألني أين كنت طول فترة التحرير فأخبرته أني كنت مع فلان وفلان فبارك عملي ... ثم فصلت من وزارة الداخلية في 2003 بسبب الغياب ثم عدت ثم خرجت نهائيا وللأبد في 2010 أي قبل 17 سنة وأيضا بسب الغياب ... ثم بدأت رحلتي الجديدة مع المدنية وصناعة الفكر ؟
ما سبق هي شهادة من إنسان صمد طيلة أيام الغزو العراقي وأقولها بكل فخر أن الكويت وشيوخها وأهلها جميعنا مدينين لشهدائنا الأبرار أبد الدهر وهم تاج على رأس كل كويتي وكويتية ... وكل كويتي وكويتية صمدوا أثناء الغزو هم أبطــــال شاء من شاء وأبى من أبى حتى ولو كانوا يجلسون في منازلهم يكفي أن الله كتب لهم عمرا جديدا من جيش الطغاة الذي لا توجد كلمة "الرحمة" في قاموسه ... وفي شهادتي أحب أن أنوه أمرا مهما : في كل ما سبق الله يشهد علي أني لم أتعمد سرد البطولة على الإطلاق بل رويت ما أمكنني روايته وما يمكن نشره للعامة وللتاريخ بأمانة متجردة من أي نفاق وأي أكاذيب وليس كل شيء صالح للنشر ... والحمدلله له الفضل والشكر علينا أن أعاد لنا وطننا سالما غانما وعادت الشرعية الكويتية بالرغم من كل أخطائها الكارثية التي أدت إلى الغزو ... وأن كل ما ساقه العراق عن أسباب الغزو كانت أكاذيب سردتها وفندتها بالأدلة والبراهين في هذه لمدونة بأن العراق دولة أكاذيب بامتياز لا يصدقها سوى السفهاء والجهلة وأهل الذمة الناقصة والأمانة الضائعة ... وأن كل إسم ذكرته في موضوعي هذا إن كان من الأحياء فهو يعرف أكثر من جيد عن ماذا تحدثت وإن كان من الأموات فأسأله سبحانه أن يسكنهم الفردوس الأعلى ؟ 

اللهم لا تفجعنا بكويتنا ولا بحكامنا ولا بأهلها


لمن أراد مشاهدة التوثيقات التاريخية عن الغزو العراقي
تاريخ حدود الكويت ... العراق ؟

أضخم توثيق عن الغزو العراقي الغاشم .. 1
  
أضخم توثيق عن الغزو العراقي الغاشم .. 2

تقرير لجنة تقصي الحقائق عن أسباب الغزو العراقي .. 1

تقرير لجنة تقصي الحقائق عن أسباب الغزو العراقي .. 2

تقرير لجنة تقصي الحقائق عن أسباب الغزو العراقي .. 3

ماذا قال قائد حرب تحرير دولة الكويت ؟

في ذكرى الغزو من المجرم الحقيقي ؟

في ذكرى 2/8/1990م ... جزء من الحقيقة ؟

شهداء الكويت يسألون ويتحدثون ؟






دمتم بود ...


وسعوا صدوركم 

video
video
video
video
video
video