2015-12-29

مهازل إدارة الدولة من الحكام أم من الشعوب ؟

كثيرا ما نسمع هذا أو ذاك ينتقد أو يعيب على إدارة الدولة هذه أو تلك والبعض يحلل بطريقة ذكية جدا ... لكن الكل ولا أستثني أي أحد ممن سمعتهم أو جلست معهم أو قرأت لهم جميعهم لم يصل أحد منهم إلى لــــب وجذور المسألة بحقيقتها بواقعيتها بتجرد من أي عاطفة ... وكل ما نسمعه وما نشاهده هذا ينتقي عيوب الحكومة هذه والآخر يتفنن بسرد عيوب نظام الحكم ذاك والأمر لا يحتاج أصلا إلى أي عبقرية ولا إلى أي ذكاء ... فالمسألة بسيطة جدا وكل ما في الأمر أنك تحتاج إلى جرأة تفكير + خبرة تحليل + ثقافة عالية المستوى لتكون الصورة واضحة ومنطقية وعقلانية ... وهذا ما سوف أسرده لحضراتكم الكرام ؟
 اسمحوا لي أن أذهب بكم إلى نقطة البداية ألا وهو الخلق الذي خلقه رب العالمين وأبدع فيه سبحانه بقدرات إلهية يستحيل ثم يستحيل ثم يستحيل أن يستوعبها أي عقل بشري ومن الخيال حتى أن يحلم بها أي إنسان ... وحقيقة الخلق هو أن الإنسان لا يساوي شيئا أمام قدرات رب العالمين فقدرات الإنسان معروفة ومحدودة وقدرات رب الخلق سبحانه مطلقة لا حدود لها ولا أقارن أبدا معاذ الله ... الحاكم والحكومات هم بشر طبيعيين يأكلون ويشربون وينامون ويتزاوجون ويفرحون ويحزنون وتصيبهم الأمراض ويموتون حالهم كحال أي إنسان إذن هم قدرات محدودة وليست مطلقة ؟ 

لم يأتي بشرا قط في هذه الحياة نبيا أو رسولا حاكما أو سلطانا رضيت عنه رعيته أو أتباعه بنسبة 100% ... أكرر لا يوجد ابتداء من سيدنا نوح وإلى أن تقوم الساعة لا يوجد ملكا أو إمبراطورا رضيت عنه كل رعيته فردا فردا ... فالأمر جدا عادي وطبيعي ومن الفطرة البشرية إن كنت أتحدث عن أكثر من 10.000 آلاف سنة ما قبل الميلاد وإلى حتى يوم القيامة فالأمر يعتبر فطريا في الناس وفي البشر كافة ... هكذا هم البشر في كل الأيام والأزمنة العقول مختلفة والثقافات نسبة وتناسب وقليل من هو راضي على مما هو فيه وقليل من هو قانع بما قسمه له رب العالمين ... لذلك قرأنا في كتب التاريخ المختلفة في كل الأزمنة عن أشد الفظائع والممارسات الوحشية التي كان ينتهجوها أغلب الحكام في القرون الوسطى وإلى يومنا هذا بحق رعيتهم من ظلم وتعذيب وتنكيل وإذلال وقتل وتهجير وقطع الأرزاق وهلك العباد وتحطيم البلاد ... لماذا انتهج هؤلاء الحكام مثل تلك السياسات أللا إنسانية ؟ لأن فطرة الإنسان يخاف على حياته ويخاف من الموت ويخاف من الضرب والتعذيب لأنه ألم جسدي مروع لا يعرف حجم ومقدار ألمه إلا صاحبه ... لذلك نجح طغاة الحكام الذين انتهجوا تلك السياسات وتلك الممارسات الوحشية بإخضاع الرعية له خضوعا كاملا مطلقا ... ولم يزيح الحاكم الظالم عن قلوب الرعية إلا الموت أو الإنقلابات ولم يسجل التاريخ على الإطلاق إسم أي حاكم مجرم طاغي أن تنحى هو بنفسه وبإرادته عن كرسي السلطة المطلقة ؟ 
 إذن أين هو مكمن الخلل في هذا الأمر ؟
لا يستطيع الحاكم أن يرضي الملايين من رعيته فردا فردا ولا الرعية فردا فردا راضون عمن يحكمهم ... إن كان الناس تمردوا على أنبياء الله ورسله فهل أصابكم الجنون حتى تعتقدوا أن الرعية لن يتمردوا على الحكام ؟
 كيف تساوي بمن يملك بمن لا يملك ؟
من غير المقبول أن يتحدث رجل عادي طبيعي على سجيته وعلى بساطة عقله ومستوى ثقافته المتواضع عن أحوال الدولة وكيفية إدارتها وهو أساسا فاشل حتى في إدارة منزله وضعيف السيطرة على أهل بيته ولا يعرف كيفية تدبير أمور حياته ... فهل مثل هذا يمكن أن يسمع له رأي أو يلتفت له ... ولو كان شخصا شديد الثقافة وكثير الحكمة فأيضا نظريا وعمليا ليس من الممكن أن تصلح كل النظريات للتطبيق الفعلي ... لأن هناك أمرا مستمرا منذ آلاف آلاف السنين وهو مؤامرات بيت الحكم ... فلا يوجد في التاريخ كله أن حكم إنسان دون أن يتعرض لعشرات وربما مئات المؤامرات إما بقتله أو بإزاحته سلميا أو الإطاحة به ... وما أبناء خليفة المسلمين العباسي هارون الرشيد ببعيد عما أقوله فقد حكم هارون بذكاء ودهاء شديدين وبعد وفاته بدأ الأخوة يكيدون بعضهم لبعضا ... إذن وباختصار : يحق للرعية أن تتذمر من معيشتها أو من ظروفها لكن لا يحق لها أن تنال من الحكام بألسنتها لأن الناس والشعوب هم الأصل والأصل إن كان واعيا مثقفا أديبا راقيا تلقائيا سيتولى زمام أمورهم من هو على مثل ما هم عليه ... وإن كانت الرعية جاهلة مفلسة الثقافة ضعيفة الحجة جعلت من الرعونة مبدأ لها ومن الجهل دستور حياتها فسيخرج من بينهم من هو أدرى كيف يسوق مثل هؤلاء الرعية كما تساق البهائم ؟
 إذن الأمر يستحيل أن يوضع في مركز انطلاقته الصحيح لأن
1-      البشر مختلفون منذ خلقهم إلى قيام الساعة
2-      الناس مختلفون بقدراتهم العقلية وثقافاتهم الفكرية
3-      لا يوجد إجماع على أمر واحد يتفق عليه الجميع على الإطلاق
4-      الفساد والسرقات والرشوة هي صناعة الشعوب منذ قديم الأزل
5-      العدل أو العدالة هي صفة خاصة لرب العالمين وليست من فطرة البشر
6-      95% من تحذيرات وتنبيهات رب العالمين في القرآن جاءت للناس وللرعية تحديدا
7-      يسهل شراء ذمم الناس بالأموال وسهل شراء ضمائرهم وولائهم بأبخس الأثمان حتى في بيع الأوطان 
 إذن الحاكم فرد واحد والرعية ملايين فإن استطاع فرد واحد الوصول إلى حكم الملايين فيجب الإعتراف بأن هذا الفرد هو الأكثر ذكاء ودهاء مستحقا الوصول إلى كرسي السلطة ... وفي حال رغبة الرعية بتغيير هذا الفرد أو الحاكم يجب أن تسأل أولا من أنتم وما هو تاريخكم وحجم وكم ثقافتكم وحكمتكم ومن هو البديل وما هي الضمانات ؟ أم تريد الإطاحة بفرد ثم تتيه ملايين الرعية وتضيع كما يحدث اليوم في ليبيا وسوريا واليمن ... في نهاية المطاف كلنا بشر حكام ومحكومين وقدراتنا محدودة ومتواضعة أيضا ؟ 
 
الحقيقة التي أنا شخصيا مقتنع فيها 100% هي
كلما بحثت في التاريخ القديم وقرأت في أحوال وأهوال اليوم أقول : اللهم لك الحمد والشكر والفضل والمنة عدد ما كان وعدد ما يكون وعدد أنفاس ما خلقت يا رب العالمين أن حكامي هم الصبـــــــــــــــــــــــــــــــاح الله يعزهم ولا يعز عليهم .

 التاريخ مثلما لعن مئات الحكام لعن أيضا عشرات الشعوب لكنكم قوم تجهلون


دمتم بود ...


وسعوا صدوركم